الشيخ محمد زاهد الكوثري
189
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
فصل ثم يقال لهم : خبرونا إذا كتب كاتب في ورقة فَكَذَّبَ وَعَصى ( 21 ) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى ( 22 ) فَحَشَرَ فَنادى ( 23 ) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ( 24 ) [ النّازعات : 21 - 24 ] أفتقولون : إن الكاتب قديم ، أم كتابته قديمة ، أم الورق الذي كتب فيه قديم ، أم اللعين فرعون ، وقوله قديم ، فلا يجوز لعاقل أن يقول شيئا من هذه الأشياء قديم ، بل الكاتب مخلوق ، وكتابته مخلوقة ، والورقة مخلوقة ، والقلم مخلوق ، والحبر مخلوق ، وفرعون اللعين مخلوق ، وما ادعاه من الربوبية كذب مخلوق ، وإنما الذي هو ليس بمخلوق كلام اللّه تعالى القديم الذي هو خبر يشمل جميع المخبرات التي أخبرنا عن فرعون اللعين وقوله الكذب . فصحّ أن كلام اللّه القديم ليس بالخط ولا بالورق ولا بقول فرعون اللعين ، لأن قول فرعون اللعين كذب ، وكلام اللّه حق وصدق ، وكذلك إذا كتب الكاتب في ورقة وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ [ الأنعام : 152 ] أتقولون : إن اليتيم وماله قديم ، والخط الذي كتب ذلك قديم ، والكاتب له قديم . لا . بل الجميع مخلوق ، وإنما القديم كلام اللّه الذي هو نهيه الذي يشمل جميع المنهيات ، وهو غير اليتيم والمال والكاتب والكتابة ، وإذا كتب كاتب : كُلُوا وَاشْرَبُوا [ البقرة : 60 ] وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [ البقرة : 43 ] أترى [ أن ] الكاتب قديم أو الكتابة قديمة ، أو الأكل والآكل ، والشارب والشرب ، والمصلي والصلاة ، والمزكي . والزكاة قديمة . لا واللّه ؛ ليس شيء من ذلك قديما ، وإنما القديم كلام اللّه تعالى ، الذي هو أمره الشامل لجميع المأمورات . فصحّ بهذه الجملة الفرق بين كلام الحق وكلام الخلق ، وإن كلامه تعالى قديم غير مخلوق ، ولا يتصف بشيء من صفات الخلق ، ولا يفتقر تعالى في كون كلامه صفة له قديمة غير مخلوقة ، إلى شيء من أدوات الخلق من لسان ، وشفة ، وحلق ، وحرف ، وصوت ، بل هو متكلم ، وله كلام ، صفة له قديمة غير مخلوقة ، ولا يجوز عليها شيء من صفات الخلق . فاعلم ذلك وتحققه ولا توفيق إلا بهدي من اللّه وفضل ورحمة ، وهو حسبنا ونعم الوكيل . * * * فصل يتعلق بمسائل ثلاثة وفروعها : [ الخلق والإرادة والشفاعة والرؤية ] وهي : مسألة الخلق والإرادة ، وأنه [ لا ] يكون من العباد شيء إلا وهو خلق اللّه تعالى ومراد له ، لا يجوز أن يخلق أحد غيره ، ولا يكون في ملكه إلا ما أراده .